محمد بن وليد الطرطوشي
418
سراج الملوك
مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها » « 1 » . وقال اللّه تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [ الإسراء : 16 ] في الآية تأويلان : أحدهما أمرناهم بالطاعة ففسقوا ، أي خرجوا عن الطاعة . والثاني : على قراءة المدني « 2 » : أي كثّرنا عددهم ، وأسبغنا النعم عليهم ، فعصوا وتباغوا . ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « خير المال سكّة مأبورة ومهرة مأمورة » « 3 » أي كثيرة النتاج . واعلموا أن حشرات الأرض وهو امّها تلعن العصاة ، وقال مجاهد « 4 » : إذا أشعثت « 5 » الأرض تقول البهائم : هذا من أجل عصاة بني آدم ، فذلك قوله تعالى : أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [ البقرة : 159 ] . وفي الحديث عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الحسل لتموت بذنب ابن آدم » « 6 » . يعنى : أنّ بذنوب الخلق يمتنع القطر ، فلا تنبت الأرض ، فتتهالك الدواب والحشرات . وسمع أبو هريرة رجلا يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه ، فقال : « بلى والله ، إن الحبارى لتموت هزلا في وكرها بظلم الظالم » « 7 » وقال ابن مسعود : خطيئة بني آدم قتلت الحسل .
--> ( 1 ) رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام مسلم عن أبي هريرة والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 5045 ) قال الإمام مسلم هذا الحديث من معجزان النبوة فقد وقع ما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وسلم ومعنى رؤوسهن كأسنمة البخت : اى يغطّين رؤوسهن بالخمر والعمائم وغيرها حتى تشبه أسنمة البخت ( والبخت كلمة أعجمية معرّبة وهي الإبل الخراسانية ) صحيح مسلم ج 4 / رقم 2128 ص 2192 ) . ( 2 ) قراءة المدني قالون : مقرئ المدينة وتلميذ نافع الإمام المجوّد النحوي أبو موسى عيسى بن مينا ، كان ربيب نافع فلقبه بقالون لجودة قراءته ، وتلا عليه ابنه أحمد والحلواني وعدّة غيرهم ، مات سنة 220 ه ، وقراءته ( آمرنا ) ، والقراءة المشهورة هي قراءة أَمَرْنا كما ذكر ابن كثير في تفسير الآية ( 3 / 19 ) . ( 3 ) رواه الإمام أحمد ( 3 / 468 ) والطبراني في الكبير عن سويد بن هبيرة بلفظ ( خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة ) وقال : رجال أحمد ثقات . ومعنى مهرة مأمورة : أي كثيرة النتاج ، ومعنى سكة مأبورة : اى السكة والطريق من النخل قد أبّر أو لقّح ( شرح السنة - البغوي - ج 10 / 387 ) . ( 4 ) هو مجاهد بن جبر أبو الحجاج المكي ، شيخ القراء والمفسرين من التابعين ، أخذ التفسير عن ابن عباس قرأه عليه ثلاث مرات ، يقف عند كل آية يسأله : فيم نزلت وكيف كانت ، قيل إنه مات وهو ساجد سنة 104 ه . ( سير أعلام النبلاء 4 / 449 ) . ( 5 ) أشعثت الأرض : اى لم ينبت زرعها . ( 6 ) الحسل : ولد الضب . ولم أعثر على الحديث في أي من كتب الحديث المعروفة . ( 7 ) انظر تفسير ابن كثير ( 2 / 574 ) .